الجواد الكاظمي

394

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

والمستهزئين المدلول عليه بقوله « يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها » . وهذا تذكار لما نزل عليهم بمكَّة من قوله في سورة الأنعام « وإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ » ( 1 ) الآية ، وذلك أنّ المشركين بمكَّة كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزئون به ، فنهي المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه ، فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكَّة ، وكان الَّذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون . « إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ » في الإثم لأنّكم لم تنكروا عليهم مع قدرتكم على الإنكار والاعراض ، أو مثلهم في الكفر إن رضيتم به ، لأنّ الرضا بالكفر كفر والرّاضي به كافر قطعا ، وإنّما لم يكن المسلمون بمكَّة حين كانوا يجالسون المشركين الخائضين بمثابتهم لأنّهم كانوا عاجزين عن الإنكار ، فكان تركهم الإنكار لعجزهم وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ذلك عن رضى منهم . « إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ والْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً » أي يجمع الفريقين وهم القاعدون والمقعود معهم في النّار والعقوبة فيها كما اتّفقوا في الدّنيا على عداوة المؤمنين ، والمظاهرة عليهم ، وفي الآية دلالة واضحة على وجوب إنكار المنكر مع القدرة ، وزوال العذر ، وأنّ من رضى بالكفر فهو كافر ، ومن رضى بمنكر رآه وخالط أهله - وإن لم يباشر الفعل - كان شريكهم في الإثم ، وأنّ من ترك الإنكار مع القدرة عليه فهو مخطئ آثم . قال جماعة من المفسّرين : ومن ذلك ما إذا تكلَّم الرجل في مجلس بكذب فيضحك منه جلساؤه فيسخط اللَّه عليهم وروى العياشي ( 2 ) بإسناده عن عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام

--> ( 1 ) الأنعام : 68 . ( 2 ) العياشي ج 1 ص 281 الرقم 290 وحكاه في البحار ج 21 ص 117 والبرهان ج 1 ص 423 ونور الثقلين ج 1 ص 467 الرقم 628 ونقله عن العياشي أيضا في المجمع ج 2 ص 127 .